نحتفل اليوم بالذكرى المئوية لميلاد الأستاذ وليد الخالدي، أحد أكثر العلماء الفلسطينيين تأثيرًا في عصرنا، وشخصية أساسية في الحياة الفكرية والأكاديمية والسياسية الحديثة للشعب الفلسطيني. بصفته أحد مؤسسي معهد الدراسات الفلسطينية (IPS) عام 1963، لم يشكل إرث الأستاذ الخالدي الدائم المعهد نفسه فحسب، بل شكل أيضًا المجال الأوسع للبحث والدعوة الفلسطينية والعربية.
على مدار القرن الماضي، اتسمت حياة الأستاذ الخالدي بالتزام راسخ بالحقيقة والدقة التاريخية والعدالة لفلسطين. بدأت مسيرته المهنية في أربعينيات القرن الماضي مع المكتب العربي في القدس، حيث عمل على تقديم القضية الفلسطينية للعالم خلال فترة من الاضطرابات العميقة. بعد أن شهد صدمة عام 1948 بنفسه، ذهب للدراسة والتدريس لاحقًا في جامعة أكسفورد. في عام 1956، استقال احتجاجًا على دور بريطانيا في الغزو الثلاثي لمصر – وهو عمل يرمز إلى المواقف المبدئية التي حددت حياته.
واصل التدريس لعقود في الجامعة الأمريكية في بيروت وجامعة هارفارد ومؤسسات أخرى، وشكل أجيالًا من الطلاب – أصبح العديد منهم علماء ودبلوماسيين وقادة بارزين. وبالتوازي مع عمله الأكاديمي، ظل الأستاذ الخالدي منخرطًا بعمق في الحركات السياسية والفكرية في العالم العربي، وخاصة صعود القومية العربية وتطور السياسة الفلسطينية في أعقاب عام 1967.
مساهمات الأستاذ الخالدي العلمية واسعة النطاق ومُغيرة. لقد ساعد في وضع أسس الكتابة الأكاديمية حول النكبة، وفضح الأساطير الصهيونية القديمة ووضع التاريخ الفلسطيني على أرضية علمية متينة. لا تزال مقالاته مثل “خطة داليت” و”سقوط حيفا”، التي أعيد نشرها في مجلة الدراسات الفلسطينية، نصوصًا بارزة. كتبه – بما في ذلك “من الملاذ إلى الفتح”، و”قبل شتاتهم”، و”كل ما تبقى” – تمثل إنجازًا فكريًا جماعيًا شكّل فهمًا عالميًا للتجربة الفلسطينية.
بصفته أحد مؤسسي معهد الدراسات الفلسطينية، إلى جانب قسطنطين زريق وبرهان دجاني، وعضوًا في مجلس أمنائه الأول – إلى جانب وداد قرطاس، ونجلاء أبو عز الدين، وآخرين – تصور البروفيسور الخالدي المعهد ليس فقط كمركز أبحاث، بل كركيزة أساسية للمرونة الثقافية والسياسية. لأكثر من 60 عامًا، عملت معهد الدراسات الفلسطينية على نشر دراسات علمية موثوقة، ودعم الأجيال الشابة من الباحثين، والحفاظ على الذاكرة الفلسطينية من خلال أرشيفاتها الواسعة، ومجلاتها، وكتبها، ومنصاتها الرقمية.
من المؤتمر الصحفي الذي أقيم بمناسبة إصدار نشرة معهد الدراسات الفلسطينية، 7 أبريل 1971
لم تقتصر مساهماته في معهد الدراسات الفلسطينية على الأفكار. لعقود، شغل البروفيسور الخالدي منصب أمين سر مجلس الإدارة، ثم رئيسًا فخريًا، مواصلًا تقديم التوجيه والرؤية حتى تجاوز عقده العاشر. ولا يزال إيمانه بدور العلم كأداة للمقاومة محوريًا في عمل المعهد اليوم.
في وقت تواجه فيه فلسطين مجددًا عنفًا غير مسبوق، وتتعرض فيه الذاكرة نفسها للاعتداء، يكتسب إصرار البروفيسور الخالدي على توثيق تاريخ الشعب الفلسطيني وتحليله وفهمه أهمية متجددة. وجهوده للحفاظ على مكتبة الخالدي في القدس، وهي كنز فلسطيني وعربي لا يُقدر بثمن، ليست سوى مثال واحد على مهمته الأوسع نطاقًا في الدفاع عن التراث الثقافي لفلسطين والحفاظ عليه في وجه المحو.
صورة: ليديا أ. كريستوبال
اليوم، وبمناسبة عيد ميلاده المئة، نتقدم في معهد الدراسات الفلسطينية بأعمق امتناننا وأطيب تمنياتنا للأستاذ وليد الخالدي. ونحتفل ليس فقط بطول عمره، بل بعمق إسهاماته، ووضوح رؤيته. لقد كانت نزاهته وانضباطه وتفانيه نبراسًا لأجيال من الفلسطينيين ولكل من يسعى إلى العدالة.
مع دخوله عامه المئة، يواصل البروفيسور الخالدي متابعة عمل معهد الدراسات الفلسطينية والتأمل في التحديات والآمال التي تواجه فلسطين اليوم.
نتمنى له دوام الصحة والسلام، مدركين أن عمل حياته لا يزال مصدر إلهام وإرشاد وديمومة.
من المؤتمر الصحفي بمناسبة إصدار نشرة معهد الدراسات الفلسطينية، 7 أبريل/نيسان 1971
من اجتماعات ولقاءات مجلس أمناء معهد الدراسات الفلسطينية، 1999
من اجتماعات ولقاءات مجلس أمناء معهد الدراسات الفلسطينية، 2010
وليد خالد
صورة بعدسة ليديا أ. كريستوبال
وليد خالدي
وليد خالدي
مقر معهد الدراسات الفلسطينية في بيروت
مكتب معهد الدراسات الفلسطينية في واشنطن